محمد حسين هيكل
228
حياة محمد ( ص )
حيرة النبي وبلغت هذه الأخبار محمدا فاضطرب لها . ماذا ؟ ! عائشة هذه تخونه ! هذا مستحيل . إنها الأنفة والإباء ، وإن لها من حبه إياها وشدّة عطفه عليها ما يجعل مجرّد ظنّ كهذا إثما دونه كل إثم . نعم ! ولكن أفّ للنساء ! من ذا يستطيع أن يسبر غورهنّ أو يصل إلى قرارة ما في نفوسهنّ ! وعائشة بعد طفلة يافعة ! وأي شيء هذا العقد الذي فقدته فذهبت تلتمسه جوف الليل ؟ وما بالها لم تحدث له وهم ما يزالون في المعسكر من أمره ذكرا ؟ ! وتقلّب النبيّ على أشواك الحيرة ، ما يدري أيصدّق أم يكذّب . مرض عائشة وأذى الرسول من حديث الناس أمّا عائشة فلم يجرؤ أحد على أن يبلّغها من كل هذا الذي يقول الناس شيئا ، وإن أنكرت من زوجها جفاء لم تعرفه منه ولم يتّفق في شيء مع لطفه بها وحبّه إياها . ثم إنها مرضت من بعد ذلك مرضا شديدا ، فكان إذا دخل عليها وأمّها تمرضها لم يزد على قوله : « كيف تيكم ؟ » . ووجدت عائشة في نفسها لما رأت من جفاء النبيّ إياها ، وجعلت تحدّث نفسها : ألّا تكون جويرية قد حلّت من قلبه محلّها ! وبلغ من ضيق ذرعها بجفاء محمد إيّاها أن قالت له يوما : لو أذنت لي فانتقلت إلى أمي فمرّضتني ! وانتقلت إلى أمها وفي نفسها من الدهشة لهذا التفريط في أمرها ما آذاها وآلمها . وظلّت في مرضها بضعة وعشرين يوما حتى نقهت ، وهي لا تعرف من كل ما يدور حول اسمها من حديث شيئا . أمّا محمد فقد بلغ من تأذّيه بترامي هذه الأخبار إليه أن قام يوما في الناس يخطبهم فقال : أيها الناس ! ما بال رجال يؤذونني في أهلي ويقولن عني غير الحق ! واللّه ما علمت منهم إلا خيرا . ويقولون ذلك لرجل واللّه ما علمت منه إلا خيرا ، وما يدخل بيتا من بيوتي إلا معي » . فقام أسيد بن حضير فقال : يا رسول اللّه ، إن يكونوا من إخواننا الأوس نكفيكهم ، وإن يكونوا من إخواننا الخزرج فمرنا بأمرك . فو اللّه إنهم لأهل أن تضرب أعناقهم . وردّ عليه سعد بن عبادة بأنه إنما تقدم بهذه المقالة لأنه يعرف أنهم من الخزرج ، ولو كانوا من الأوس ما قالها . وتشاور الناس وكادت تقوم الفتنة لولا حكمة الرسول وحسن مداخلته . الخبر يبلغ عائشة وانتهى الخبر آخر الأمر إلى عائشة ، حدّثتها به امرأة من المهاجرين . فلمّا عرفته كاد يغشى عليها من هوله . وانطلقت تبكي لا يحبس دمعها حابس حتى شعرت كأن كبدها تتصدّع . وذهبت إلى أمّها وقد أثقل الهمّ كاهلها حتى كاد ينوء بها ، وقالت لها والعبرة تخنقها : يغفر اللّه لك يا أمّاه ! تحدّث الناس بما تحدثوا به ولا تذكرين لي من ذلك شيئا ! ورأت أمّها الهمّ الذي بها ، فحاولت تخفيف أثره في نفسها فقالت : أي بنيّة ، خفّفي عليك الشأن فو اللّه لقلّما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثّرن وكثّر الناس عليها . ولكن عائشة لم تتعزّ بهذا القول ، وزادها ألما أن ذكرت جفاء النبي إيّاها بعد الذي كان من لطفه بها ، وأن شعرت بأنه قد وقع في نفسه من هذا الحديث أثر وقامت بنفسه منه ريبة . لكن ماذا عساها تستطيع أن تفعل ؟ ! أتفاتحه في القول وتذكر له الخبر وتقسم له أنها بريئة ؟ ! هي إذا تتهم نفسها ثم تدفع التهمة بالايمان والتوسّلات . أفتعرض عنه كما أعرض عنها وتجفوه كما جفاها ؟ لكنه رسول اللّه هو قد اصطفاها على نسائه ، وليس من ذنبه أن تحدث الناس عنها بسبب تأخرها عن العسكر وعودها مع صفوان . ربّاه ؟ ألهمهما في هذا الموقف الدقيق مخرجا يتّضح لمحمد معه الحق في أمرها ليعود إلى مثل ما كان حبّها والعطف عليها واللطف بها .